خطبة: ابن الوليد
لفضيلة الشيخ خالد الراشد
المقدمة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا.
من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا...}
أما بعد: فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
الباب الأول: حاجة الأمة إلى الأبطال
معاشر الأحبة: حاجتنا إلى الأبطال حاجة ماسة خاصة في هذه الأيام.
كثر فيها الأبطال لكن أبطال بالأقوال لا بالأفعال، يقولون ما لا يفعلون، تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى.
ما أحوجنا إلى رجال صادقين، فالأمة اليوم في أمس الحاجة إلى مثل هؤلاء المخلصين.
لو تأملت في الواقع يمنة ويسرة لعرفت أن الحاجة ماسة لمثل هؤلاء.
التفتّ للإسلام في بلد وجدته كالطير مقصوصاً جناحاه. لي فيك يا لي آهات أرددها، أواه لو أجدت المحزون أواه.
فتعالوا ننبش أوراق التاريخ، تعالوا نستعيد الماضي، ففي قراءة التاريخ صور وعِبر، وفي معرفة أخبار أولئك الرجال رفع للهمم وتجديد للطاقات.
الباب الثاني: إسلام خالد بن الوليد
تعالوا نقرأ عن بطل الأبطال، وإذا ذكر في المعارك ذُكر ذلك الرجل، وإذا ذكرت العبقرية في ميدان القتال ذكر ذلك الرجل، وإذا ذكرت التضحيات والبذل ذكر ذلك الرجل.
ما من صغير في أدنى بلاد الإسلام ولا كبير في أقصاها إلا وهو يعرف ذلك الرجل.
إنه السيف الذي سله الله على المشركين: خالد، وما أدراك ما خالد!
رجل لا كالرجال، وسيرته لا كالسير.
تفكر يوماً وهو على كفره، وقال: لقد استقام المنسم وظهر الحق، وما أرى هذا الرجل إلا رسول الحق. آن الأوان يا خالد أن تختار بين الظلام وبين النور.
ثم قال في نفسه: ألا من رجل يرافقني في طريقي إلى المدينة؟ فإذا بعثمان بن طلحة رضي الله عنه، فقال له: أنا معك يا خالد. ثم التقى بهما عمر بن العاص رضي الله عنه، فقالوا: إلى المدينة حتى نبايع محمداً صلى الله عليه وسلم.
فلما دخلوا المدينة استبشر النبي صلى الله عليه وسلم بقدومهم، وقال خالد للنبي: "أبايعك على أن تستغفر لي كل صدّة صدَدتُها عن سبيل الله."
فقال له النبي: "الإسلام يجب ما قبله."
لقد رأى النبي في خالد عقلاً راجحاً.
ثم بايع خالد وبدأ المشوار جندياً من جنود الإسلام.
الباب الثالث: معركة مؤتة
بعد إسلامه بثلاثة أشهر فقط خرج جندياً في جيش مؤتة، جيش قوامه ثلاثة آلاف، يواجه جيشاً من الروم عدده مئات الألوف.
رتب النبي صلى الله عليه وسلم الأمراء: زيد، فإن قُتل فجعفر، فإن قُتل فابن رواحة.
وفي المدينة كان النبي صلى الله عليه وسلم يخبر الصحابة بالمعركة لحظة بلحظة عن طريق الوحي.
فقال: "حمل الراية زيد فقُتل، ثم حملها جعفر فقُتل، ثم حملها عبد الله بن رواحة فقُتل."
ثم قال: "أما الآن فقد أخذ الراية سيف من سيوف الله."
فحمل خالد الراية وأبدع بخطته العسكرية، فبدّل الميمنة والميسرة حتى أوهم العدو أن مدداً قد جاء. ثم خطط لانسحاب منظم أنقذ به الجيش.
فلما عادوا إلى المدينة، استقبلهم بعض الصغار بالحجارة وقالوا: "يا فرار!"
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "بل هم الكرار إن شاء الله."
الباب الرابع: بعد وفاة النبي ومعارك الردة
مات النبي صلى الله عليه وسلم، وامتحنت الأمة امتحاناً عظيماً.
ارتدت قبائل كثيرة، ولم يبق على الإسلام إلا مكة والمدينة والطائف.
جهز أبو بكر رضي الله عنه الجيوش، وولّى عليها خالداً بن الوليد.
وكان من أعظم المعارك معركة حديقة الموت ضد مسيلمة الكذاب.
اشتد القتال، وتساقط الشهداء، فصاح البراء بن مالك: "احملوني على التروس إلى داخل الحديقة."
فحملوه حتى اقتحم الحديقة، وفتح بابها، وانتصرت جيوش المسلمين.
الباب الخامس: الفتوحات في العراق والشام
بعد القضاء على الردة، توجه خالد لقتال الفرس في العراق.
خاض خمس عشرة معركة لم يهزم في واحدة، من "ذات السلاسل" إلى "الفراض".
وكان يرسل إلى قادتهم رسائل كلها عزة وإيمان:
"أسلم تسلم، وإلا أتيتك برجال يحبون الموت كما تحبون أنتم الحياة."
ثم أرسله أبو بكر إلى الشام لقتال الروم، وقال:
"والله لأنسينّ الروم وساوس الشيطان بخالد بن الوليد."
وفي معركة اليرموك اجتمعت فلول الروم، فوحد خالد الصفوف وقال: "الإمارة بيننا كل يوم لرجل."
وأبدع في خططه العسكرية حتى حسم المعركة في يوم واحد، وأذل الروم هزيمة لم تقوم لهم بعدها قائمة.
الباب السادس: عزله ووفاته
في قمة انتصاراته وصيته العسكرية، جاءه خبر وفاة أبي بكر رضي الله عنه، ثم جاءه أمر العزل من عمر بن الخطاب.
قيل لعمر: لِمَ عزلت خالد؟
قال: "ما عزلته عن خيانة ولا عن ضعف، ولكني خشيت أن يفتتن الناس به، فأردت أن يعلموا أن النصر من عند الله لا من عند خالد."
ومات خالد رضي الله عنه على فراشه بعد أن شهد أكثر من مئة معركة.
وقال عند موته:
"لقد شهدت كذا وكذا زحفاً، وما في جسدي موضع شبر إلا وفيه ضربة بسيف أو طعنة برمح، وها أنا أموت على فراشي كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء."
الخاتمة والعبرة
الإسلام هو الذي صنع خالد، وهو قادر أن يصنع أمثال خالد.
ما أحوج الأمة اليوم إلى رجال صادقين، يجمعون بين الإيمان والعمل والجهاد.
اللهم ابعث لهذه الأمة من يجدد لها دينها، ويعيد لها مجدها وعزها.