التربية الذاتية للنفس
للشيخ خالد الراشد
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، وعلى من اهتدى بسنته إلى يوم الدين.
أما بعد، أحبتي في الله، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وحياكم الله وبياكم، وأسأل الله العظيم أن يجمعني وإياكم في دار كرامته، وأن يجعلنا مهتدين لا ضالين ولا مبلين.
التربية الذاتية أمر مهم وخطير، فلا بد أن يكون لديك رقيب على نفسك، وإلا لن تستطيع مواصلة الطريق. المسؤولية يوم القيامة عظيمة كما قال الله تعالى:
"وكل نفس تجادل عن نفسها"
إذن، التربية الذاتية مسؤولية شخصية. نحن نربي الشباب ونتحدث معهم، لكننا لا نستطيع أن نكون الحاضن الدائم لهم؛ على كل فرد أن يرقى بنفسه ويعمل على رفع مستواه الروحي والأخلاقي.
أهمية التربية الذاتية
التربية الذاتية تعني المحافظة على الاستقامة ومراجعة النفس دائمًا.
الطريق واضح، كما وصفه النبي صلى الله عليه وسلم:
"خط مستقيم، وعلى كل سبيل شيطان يدعو إليه".
الطريق صعب في بدايته، ثم تزداد الصعوبة حتى الوصول إلى النهاية، ولا يمكن إدراك الجنة إلا بالامتحان والابتلاء.
"إن السمن المترتب على اجتياز الطريق أكبر مما تتصور، بل هو أعظم من جزاء الأعمال التي تعملها".
الأعمال سبب للجزاء، لكنها لا تساوي ما أعده الله لعباده الصالحين.
مستوى الالتزام المطلوب
لابد من تحديد مستوى ثابت للعبادة:
المحافظة على الصلوات الخمس مع السنن والرواتب.
صيام ثلاثة أيام على الأقل من كل شهر.
قراءة جزء يوميًا من القرآن.
أذكار الصباح والمساء.
المحافظة على يوم الجمعة: قراءة سورة الكهف، حضور الصلاة، واتباع السنة.
هذا هو المستوى الأدنى للثبات في الاستقامة. ومن يقل عنه يحتاج إلى مراجعة نفسية وروحية.
"الصلوات تنهى عن الفحشاء والمنكر، وكل عبادة لها دور في بناء الشخصية المسلمة المتكاملة".
الغيرة على الدين والمحبة لله
الغيرة على الدين من أهم محركات العمل الصالح.
النبي صلى الله عليه وسلم كان غيورًا على حدود الله.
الغيرة الحقيقية تتعلق بما يحب الله ويكره، ويجب أن تتركز في القلب لله وحده.
الأمثلة العملية من حياة الصحابة، مثل أبو بكر الصديق، توضح أن الثبات على الدين يحتاج إلى صدق، إخلاص، وغيرة على الدين.
"كل من ضعف أو سقط في الدين، ضعف في أحد الجوانب الأساسية للعبادة".
الصحابة قدوة لنا
الصديق رضي الله عنه: أول من أسلم من الرجال، ثابت في الإسلام، قوي في دينه، محافظ على الصلوات والصدقات والغيرة على الدين.
الأمثلة: الزبير، عثمان، عبد الرحمن بن عوف، وغيرهم، جميعهم أثبتوا أنهم يستمدون قوتهم من غيرة القلب على الدين والالتزام بالتربية الذاتية.
أبو بكر لم يخذل الأمة في مواقف عظيمة مثل الردة، وواجه الابتلاءات بثبات وإخلاص.
حب الله وترك الدنيا
على المؤمن أن يحب الله ويغار عليه، وأن لا يعلق قلبه بالدنيا أو بغير الله.
الأنبياء والصالحون استغلوا الدنيا في طاعة الله، ولم يربطوا قلوبهم بها.
الغيرة على الله تحمي العبد من الضلال والانحراف، كما تحميه من التعلق الزائد بالدنيا.
"من حب شيئًا يغار عليه، ومن أحب الله غار لله".
كيفية التربية الذاتية العملية
الصلوات: خمس صلوات مع سننها، وركعات النوافل اليومية.
الصيام: ثلاثة أيام على الأقل من كل شهر.
القرآن: ورد يومي ولو جزء صغير، مع ختم شهري.
الأذكار: صباحية ومسائية، مع المحافظة على سنة النوافل.
الجمعة: احترام يوم الجمعة، قراءة سورة الكهف، وتحضير النفس للصلاة والخطبة.
الغيرة على الدين: متابعة حدود الله، الحفاظ على حرمة النفس والأهل والمال، والوقوف في وجه الانحرافات.
خلاصة
التربية الذاتية تتطلب الصبر، والمثابرة، والاستمرارية.
كل عبادة تساهم في بناء الشخصية المسلمة الثابتة والمتزنة.
الصحابة كانوا قدوة في التربية الذاتية: ثابتون في الإيمان، غيورون على الدين، ومخلصون لله.
المستوى الأدنى مطلوب، ومن يتراجع عنه يحتاج لمراجعة نفسه وتقويمها.
"من أراد النجاح في الآخرة، فعليه أن يبدأ بتربية نفسه، ويجعل قلبه لله، ويبتعد عن الانحرافات، ويثبت على الاستقامة".