الذي يراك حين تقوم
للشيخ خالد الراشد
الباب الأول: مقدمة عن مراقبة الله والإحسان
إن كثيرًا من الناس وجودهم كالعدم، لم يتأملوا دلائل الوحدانية، ولم يقفوا عند أوامر الله ونواهيه. هم كالأنعام بل هم أضل؛ إن وافق الشرع مرادهم قبله، وإن لم يوافق فركوه. إن حصلوا على الدرهم والدينار رضوا وأخذوه، ولم يبالوا من حلالٍ أم من حرامٍ كسبوه. إن سهلت عليهم الصلاة فعلوها، وإن لم تسهل فركوها.
أحبتي، من تفكر في العواقب أخذ الحذر، ومن أيقن بطول الطريق تأهب للسفر. تمضي السنون وتنقضي الأيام، والناس تله، والأنام نيام. الناس تسعى للحياة بغفلة، لم يذكروا القرآن والإسلام، والمال أصبح جمعه كتهجد، وتمتع الشهوات صار قيامًا. قد زين الشيطان كل رذيلة، والناس تفعل ما تريد، حرامًا أو حلالًا.
الغرور يسبب الإجرام، فهل تعلم اليوم المحدد؟ وقته الله يعلم وحده. ماذا تقول إذا حملت جنازة ودفنت في القبر الشديد الظلام؟ وماذا تجيب إذا نطقت كلامه؟
قصة عيسى عليه السلام: روي أن عيسى بن مريم عليه السلام رأى الدنيا في صورة عجوز هتماء، فقال لها: كم تزوجت؟ قالت: قتلت. فقال عيسى عليه السلام: بؤس لأزواجك الباقين، كيف لا يعتبرون بأزواجك الماضين؟
الباب الثاني: الصبر على الابتلاء والتسلية في الطريق
لا يقطع الطريق إلا بالصبر والتسلية. كما قيل: "إن تشكت فعللها المجرة من ضوء الصباح وعدها بالرواح ضحى".
قصة بشر الحافي: سار مع رجل في طريق طويل، فعطش صاحبه، فقال له: "نشرب من هذه البئر؟" قال بشر: "اصبر إلى البئر الأخرى"، وهكذا استمر في تعليمه الصبر والتحمل.
أثر الصبر: من هجر اللذات حصل على المنام، ومن أكب على اللذات عض على يده. قمع أهواء النفس من أعظم وسائل التقوى والرضا.
الباب الثالث: التوكل على الله وأسماء الله الحسنى
قال الله سبحانه: "وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبُكَ فِي السَّاجِدِينَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ"
التوكل: هو اعتماد القلب على الله في جلب المنافع ودفع المضار مع الثقة بالله وحسن الظن بحصول المطلوب.
المراقبة والإحسان: الإحسان هو أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. استحضار القلب في العبادة يولد الخشوع والذل لله، ويكمل العمل الصالح.
أسماء الله الحسنى: معرفة الأسماء الحسنى لله، مثل: الرقيب، السميع، العليم، البصير، الحفيظ، العزيز، الرحيم، وتطبيقها في الحياة يولد المراقبة وحفظ النفس من المعاصي.
الباب الرابع: أثر أسماء الله على حياة العبد
الرقيب: الله محيط بكل شيء، يراقب أعمال العباد وخواطرهم، فلا يخفى عليه شيء.
السميع: يسمع كل الأصوات، السر والنجوى، صادقًا كان أو كاذبًا.
البصير: يبصر كل شيء ظاهرًا وباطنًا، كبيرًا أو صغيرًا.
العليم: يعلم كل شيء، ما كان وما سيكون، السرائر والنيات.
الحفيظ: يحفظ خلقه، أولياءه، أعمال العباد وأحوالهم.
أثر هذه الأسماء في حياتنا: مراقبة الله في كل حال، حفظ الحدود، الطاعات، الصلاة، الأمانة، الفروج، الأيمان، السمع، البصر، القلب.
الباب الخامس: حفظ حدود الله وواجبات العبد
من أعظم ما يجب حفظه:
التوحيد: عبادة الله وحده دون شريك، فهو محفوظ من عذابه يوم القيامة.
الصلاة: مجلبة للرزق، حافظ للصحة، مطردة للأذى، مقربة من الرحمن.
السمع والبصر والفؤاد: استخدام الحواس فيما يرضي الله فقط.
الفروج والأيمان: غض البصر، حفظ الشهوات، وعدم الحلف بغير حق.
أثر الحفظ: من حفظ حدود الله حفظه الله في دينه ودنياه وأهله.
الباب السادس: قصص وعبر من الصحابة والتابعين
قصة عمير بن وهب: أسلم بعدما استشعر عظمة الله ورقابته لكل شيء، فأصبح داعيًا إلى الإسلام في مكة، فأسلم على يديه الكثيرون.
قصة عبد الله بن عمر: مراقبته لنفسه وخوفه من الله، وسعيه للصلاح، ونيل ثواب الله، مثال للإيمان في الخلوات والمجالس الخاصة.
قصص أخرى: قصة المرأة التي رفعت شكواها إلى الله، وكيف استجاب الله لسماعها، وقصة رويع الذي امتحن إيمانه مع ابن عمر.
الباب السابع: الدعاء والخشية من الله
اللهم إنا نسألك: خشيتك في الغيب والشهادة
قول الحق في الرضا والغضب
الرضا بعد القضاء
لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى حقائقك
اللهم اجعلنا من المتقين، وارحم ضعفنا وتقصيرنا، وانصرنا على القوم الكافرين، واحفظ بلاد المسلمين من كل سوء، وأقم الجهاد، ووفق ولاة أمورنا للعمل بكتابك وسنة نبيك.
خاتمة: المراقبة المستمرة لله
راقب نفسك في الخلوات، وفي السر والعلن. لا تغفل ساعة عن مراقبة الله، فهو السميع البصير العليم. تذكروا دائمًا أن الله يراقب السرائر والنوايا، ويجازي كل عمل على ضوء مراقبته وعلمه. فليكن الإيمان والإحسان شعاع حياتنا، ولنسعى جميعًا لرضا الله ونجاته في الآخرة.