العميل
للشيخ خالد الراشد
الباب الأول: العودة إلى الوطن
إنه العميم لفظيمة الشيخ خالد الرافق. أحبتي، كما سقت لكم من قبل قصة حسان من بلاد الحرمين، فإليكم قصة حسان الأخيرة من بلاد الأقصى، من أولى القُدَرتين.
في أحد أحياء القدس الشرقية القديمة، توقفت سيارة أجرة أمام دار تسكنها عجوز تعرف بـ "أم حسان". نزل من السيارة حسان وزوجته وابنهما الصغير أحمد.
عاد حسان من أمريكا بعد أن أكمل دراسته الجامعية والدراسات العليا، حتى أصبح دكتورًا في تخصصه. وعند نزوله من السيارة، تلفت بحثًا عن رفقائه وأقاربه، فلم يجد شيئًا. تغير كل شيء، وأصبح كل شيء حزينًا، حتى والدته لم يجدها في انتظاره أمام البيت كما كان يتوقع.
لاحظ دماء على الجدران الملطخة، وغض الطرف عنها وعن الدمار حوله، وعن مستوطنات اليهود الملاصقة لبيته، ناسيًا المزارع والبساتين التي كان يلعب فيها.
قالت له زوجته: "هل سنبقى واقفين هكذا؟"
فأجابها: "لا، تقدمي، فها هي الدار أمامك."
دخل حسان وزوجته وابنهما البيت، ووجد أمّه مقعدة على كرسي، وقد أنهكها المرض. قبل يديها ورأسها، وفعلت زوجته كذلك. أما أحمد، فوقف بعيدًا، فنادته جدته: "آل يا أحمد."
أخرجت له حلوى وقالت: "هذه حلوى فلسطين يا أحمد." فتقدم أحمد إلى حضن جدته، وضمته إلى صدرها وهي تبكي قائلة: "هذه أرضك يا صغيري."
فرح حسان بأن والدته وجدت في أحمد ما يسليها، رغم أنه لم يشعر بفرحها كما كان يتوقع.
الباب الثاني: الحياة الجديدة
بعد أيام، قدم الدكتور حسان أوراقه إلى شركة عالمية في القدس الغربية يمتلكها اليهود، وتم قبوله، وأصبح يعمل مخلصًا لهم، كما انضم إلى إحدى القنوات الإخبارية كمحلل سياسي وخبير في شؤون المنطقة.
كبر أحمد، وقرر والداه أن يلتحق بمدرسة أجنبية داخلية، لكن الجدة رفضت وأصرت أن يلتحق بمدرسة القرية. فوافق حسان. فرح أحمد لأنه أحب جدته وحكاياتها.
مع بداية الدراسة، بدأ أحمد صفحة جديدة من حياته، لكنه سمع قصصًا حزينة كل يوم عن أصدقائه:
محمد قتل أبوه على يد اليهود.
وائل أصيب برصاص الاحتلال، وإصابته خطيرة.
ماذن فقد بيته ويبكي كلما تذكره.
حازم أصيب بانهيار عصبي بعد مقتل جميع أفراد أسرته.
أثقلت هذه الأخبار قلب أحمد، الذي عاش سنواته الأولى في أمريكا بعيدًا عن هذا الواقع.
الباب الثالث: مواجهة الاحتلال
في أحد الأيام، عاد حسان إلى المنزل ووجد أحمد حزينًا وشارد الذهن. سأله: "فيما تفكر يا أحمد؟"
أجاب أحمد ببراءة: "أبي، ماذا تعني كلمة عميل؟ الأطفال في المدرسة يقولون لي إنك عميل لليهود."
غضب حسان، ثم ابتسم ابتسامة صفراء وقال: "لا عليك يا أحمد، إنهم يحسدون أبيك ويحقّدون عليك. أنت ابن الدكتور الذي ناضل من أجل العلم."
أراد حسان تسجيل موقف أخلاقي وتعليمي، فناقش أحمد حول التعليم والمدرسة الأجنبية، ورفض أحمد الالتحاق بها، مستشهدًا بكلمات المعلم حول وصف اليهود في القرآن.
في يوم من الأيام، تعرض أحمد لإطلاق نار من قبل جندي يهودي أثناء تواجد حسان أمام منزلهم، فأصيب في صدره، وسقط بين يدي والده. وأصيب حسان أيضًا بضربة على رأسه، لكنه استعاد وعيه لاحقًا.
نُقل أحمد إلى المستشفى في حالة حرجة، ووجد حسان أمام مشهد مأساوي، حيث كان الغرفة مليئة بالمصابين والضحايا من مختلف الأعمار.
الباب الرابع: الفقدان والرحيل
لاحظ حسان ابتسامة أحمد رغم الغيبوبة، وهي الابتسامة التي لم يرها منذ زمن طويل. تذكر أحمد وهو صغير يسأله عن فلسطين والأقصى، وقال في نفسه: "متى نعود يا أبي إلى أرضنا؟"
بعد ساعات، توفي أحمد، وخيم الحزن على البيت، وبكت الجدة والأم بحرقة، وبكى حسان معهم
في ليلة مظلمة، وترك حسان رسالة لزوجته قبل أن يغادر المنزل، كتب فيها:
"أم أحمد، لقد اشتقت إلى أحمد، غدًا نلتقي في الجنان بابن الرحمن. كل امرئ بما كتب رهين. اعلمي أن الله مع المؤمنين."
الباب الخامس: الانضمام إلى المقاومة
بعدها، انضم حسان إلى كتائب عز الدين القسام، وقام بعملية بطولية، مثبتًا للجميع أنه لم يكن عميلًا، بل بطلًا من الأبطال.
واختتم القصة بالدعاء:
"اللهم انصر المجاهدين في سبيلك، واخذل الأعداء والخونة والعملاء، وطهر بلادنا ومقدساتنا، وامنحنا الصبر والثبات."