الفتنة
للشيخ خالد الراشد
- مقدمة الخطبة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه.
اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه وإخوانه.
أما بعد، عباد الله، أوصيكم ونفسي المقصرة أولًا بتقوى الله عز وجل.
- تعريف الفتنة وحقيقتها
روى البخاري عن حذيفة رضي الله عنه قال: بينما نحن جلوس عند عمر رضي الله عنه إذ قال: أيكم يحفظ قول النبي ﷺ في الفتنة؟
قال: فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره، يكفِّرها الصلاة والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
قال عمر: ليس عن هذا أسأل، ولكن عن التي تموج كموج البحر.
فقال حذيفة: ليس عليك منها بأس يا أمير المؤمنين، إن بينك وبينها بابًا مغلقًا.
قال عمر: أيكسر الباب أم يفتح؟
قال: بل يكسر.
قال: إذن لا يغلق أبدًا.
قالوا: أكان عمر يعلم الباب؟
قال: نعم، كما يعلم أن دون غدٍ ليلة، والباب هو عمر نفسه، فلما قُتل فُتح الباب ولم يغلق إلى اليوم.
الفتن جمع فتنة، وهي الابتلاء والامتحان والاختبار. وأصلها مأخوذ من قولك: فتنتُ الفضة والذهب، إذا أذبتهما بالنار لتمييز الرديء من الجيد، فكذلك الفتن تميز الخبيث من الطيب.
- أنواع الفتن عبر التاريخ
لقد بيَّن لنا النبي ﷺ الفتن وأخبرنا عنها:
منها فتن مضت، كوفاته ﷺ، وهي أعظم مصيبة حلت بالأمة.
ومنها فتن كانت ولا زالت، مثل فتنة المال، والأولاد، والنساء المتبرجات، وفتنة النفاق والفساد، وفتنة الاختلاف بين الناس.
ومن الفتن أيضًا: القول بأن القرآن مخلوق، والهرج أي القتل بغير حق.
ومنها الفتن العظيمة القادمة: كخروج الدجال، وطلوع الشمس من مغربها، والدابة، ويأجوج ومأجوج، وانحسار الفرات عن جبل من ذهب.
- الفتن في واقعنا المعاصر
في زماننا هذا تعددت ألوان الفتن وأشكالها:
كثرت الحروب الأهلية والإقليمية والدولية.
امتلأت السجون بالمعتقلين، وانتهكت حقوق الإنسان.
كثرت الزلازل، وسقطت الطائرات، وغرقت السفن، وحدثت الأعاصير المدمرة.
كثرت حوادث القتل وسفك الدماء بلا حق.
ولا يخفى على أحد ما يحدث اليوم في بلاد الحرمين من تقتيل وترويع ومطاردات، أمور لا يقرها عقل ولا دين. المستفيد الأول من كل ذلك هم اليهود والنصارى وأعداء الأمة.
- مسؤولية الأمة تجاه الفتن
إن أمن البلاد أمانة ومسؤولية الجميع: الراعي والرعية، المواطن والمقيم.
وإن علاج الأخطاء والخلل لا يكون بالعنف والمصادمات، بل بالحوار والنقاش الصادق.
قال تعالى: ﴿إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾.
ولا بد أن نعلم أن ما أصابنا من بلاء إنما هو بسبب ذنوبنا ومعاصينا:
قال الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ﴾.
- أخلاق المسلم في زمن الفتن
من الأخلاق التي يجب التحلي بها عند الفتن:
الحلم والرفق والأناة: قال ﷺ: "ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه".
الصبر: وخاصة عند المصائب والابتلاءات.
العدل والإنصاف: قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾.
الكف عن الخوض فيما لا علم لنا به: قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾.
الرجوع إلى العلماء الربانيين: قال الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.
- وسائل النجاة من الفتن
تقوية الجانب التعبدي، وكثرة الذكر والطاعات.
التوبة والإنابة إلى الله: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
الاعتصام بالكتاب والسنة: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾.
طاعة الله ورسوله وأولي الأمر: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا﴾.
- الخاتمة والدعاء
اللهم من أراد بلادنا وبلاد المسلمين بسوء فاشغله في نفسه، ورد كيده في نحره.
اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.